فصل: تفسير الآيات (30- 41):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (25- 29):

{مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29)}
{مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ} أي: لا تتناصرون، يقال لهم توبيخًا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا، يقول لهم خزنة النار، هذا جواب لأبي جهل حين قال يوم بدر: {نحن جميع منتصر} [القمر- 44].
فقال الله تعالى: {بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} قال ابن عباس: خاضعون. وقال الحسن: منقادون، يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع له، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم.
{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: الرؤساء والأتباع {يتساءلون} يتخاصمون.
{قَالُوا} أي: الأتباع للرؤساء، {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} أي: من قبل الدين فتضلوننا عنه وتروننا أن الدين ما تضلوننا به قاله الضحاك. وقال مجاهد: عن الصراط الحق، واليمين عبارة عن الدين والحق، كما أخبر الله تعالى عن إبليس: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم} [الأعراف- 17] فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق.
وقال بعضهم: كان الرؤساء يحلفون لهم أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فمعنى قوله: {تأتوننا عن اليمين} أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها.
وقيل: {عن اليمين} أي: عن القوة والقدرة، كقوله: {لأخذنا منه باليمين} [الحاقة- 45]، والمفسرون على القول الأول.
{قَالُوا} يعني: الرؤساء للأتباع، {بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، أي: إنما الكفر من قبلكم.

.تفسير الآيات (30- 41):

{وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41)}
{وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا، {بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ} ضالين.
{فَحَقَّ} وجب، {عَلَيْنَا} جميعا، {قَوْلُ رَبِّنَا} يعني: كلمة العذاب، وهي قوله: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة- 13] {إِنَّا لَذَائِقُونَ} العذاب، أي: أن الضال والمضل جميعا في النار.
{فَأَغْوَيْنَاكُم} فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} ضالين. قال الله عز وجل: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} الرؤساء والأتباع.
{إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء.
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها. {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} يعنون النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الله عز وجل ردا عليهم: {بَلْ جَاءَ} محمد، {بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} أي: أنه أتى بما أتى به المرسلون قبله.
{إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من الشرك.
{إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} الموحدين.
{أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ} يعني: بكرة وعشيا كما قال: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} [مريم- 62].

.تفسير الآيات (42- 49):

{فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)}
{فَوَاكِهُ} جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وهي كل طعام يؤكل للتلذذ لا للقوت، {وَهُمْ مُكْرَمُونَ} بثواب الله.
{فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} لا يرى بعضهم قفا بعض.
{يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ} إناء فيه شراب ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء، {مِنْ مَعِينٍ} خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون.
{بَيْضَاءَ} قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن، {لَذَّة} أي: لذيذة، {لِلشَّارِبِينَ}.
{لا فِيهَا غَوْلٌ} قال الشعبي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. قال الكلبي: إثم. وقال قتادة: وجع البطن. وقال الحسن: صداع.
وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في خفاء، يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية، وخمرة الدنيا يحصل منها أنواع من الفساد منها السكر وذهاب العقل، ووجع البطن، والصداع، والقيء، والبول، ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة.
{وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ} قرأ حمزة والكسائي: {ينزفون} بكسر الزاي، وافقهما عاصم في الواقعة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي فيهما، فمن فتح الزاي فمعناه: لا يغلبهم على عقولهم ولا يسكرون يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، إذا سكر، ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزوف، إذا فنيت خمره.
{وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} حابسات الأعين غاضات الجفون، قصرن أعينهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، {عِينٌ} أي: حسان الأعين، يقال: رجل أعين وامرأة عيناء ونساء عين.
{كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ} جمع البيضة {مَكْنُونٌ} مصون مستور، وإنما ذكر المكنون والبيض جمع لأنه رده إلى اللفظ.
قال الحسن: شبههن ببيض النعامة تكنها بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة. ويقال: هذا أحسن ألوان النساء أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة، والعرب تشبهها ببيضة النعامة.

.تفسير الآيات (50- 59):

{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)}
{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} يعني: أهل الجنة في الجنة يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا.
{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ} يعني: من أهل الجنة: {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} في الدنيا ينكر البعث.
قال مجاهد: كان شيطانًا. وقال الآخرون: كان من الإنس. وقال مقاتل: كانا أخوين. وقال الباقون: كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، وهما اللذان قص الله تعالى خبرهما في سورة الكهف في قوله تعالى: {واضرب لهم مثلا رجلين} [الكهف- 32].
{يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} بالبعث.
{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ} مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكار.
{قَالَ} الله تعالى لأهل الجنة: {هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ} إلى النار، وقيل: يقول المؤمن لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف منزلة أخي، فيقول أهل الجنة: أنت أعرف به منا.
{فَاطَّلَع} قال ابن عباس: إن في الجنة كوًى ينظر أهلها منها إلى النار فاطلع هذا المؤمن، {فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} فرأى قرينه في وسط النار، وإنما سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه.
{قَالَ} له: {تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ} والله لقد كدت أن تهلكني، قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني، ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه.
{وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي} رحمته وإنعامه عليَّ بالإسلام، {لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} معك في النار.
{أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِين * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى} في الدنيا {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} قال بعضهم: يقول هذا أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت: أفما نحن بميتين؟ فتقول لهم الملائكة: لا.

.تفسير الآيات (60- 66):

{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نزلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66)}
فيقولون {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وقيل: إنما يقولونه على جهة الحديث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون. وقيل: يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره.
قال الله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} أي: لمثل هذا المنزل ولمثل هذا النعيم الذي ذكره من قوله: {أولئك لهم رزق معلوم} إلى {فليعمل العاملون}.
{أَذَلِكَ} أي: ذلك الذي ذكر لأهل الجنة، {خَيْرٌ نزلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} التي هي نزل أهل النار، والزقوم: ثمرة شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم، يكره أهل النار على تناولها، فهم يتزقمونه على أشد كراهية، ومنه قولهم: تزقم الطعام إذا تناوله على كره ومشقة.
{إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ} الكافرين وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ وقال ابن الزبعري لصناديد قريش: إن محمدًا يخوفنا بالزقوم، والزقوم بلسان بربر: الزبد والتمر، فأدخلهم أبو جهل بيته وقال: يا جارية زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر، فقال: تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد.
فقال الله تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} قعر النار، قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
{طَلْعُهَا} ثمرها سمي طلعا لطلوعه، {كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشَّيَاطِينِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الشياطين بأعيانهم شبه بها لقبحها، لأن الناس إذا وصفوا شيئًا بغاية القبح قالوا: كأنه شيطان، وإن كانت الشياطين لا ترى لأن قبح صورتها متصور في النفس، وهذا معنى قول ابن عباس والقرظي، وقال بعضهم: أراد بالشياطين الحيات، والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانًا.
وقيل: هي شجرة قبيحة مرة منتنة تكون في البادية، تسميها العرب رؤوس الشياطين.
{فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} والملء: حشو الوعاء لا يحتمل الزيادة عليه.

.تفسير الآيات (67- 77):

{ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)}
{ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا} خلطًا ومزاجًا {مِنْ حَمِيمٍ} من ماء حار شديد الحرارة، يقال: لهم إذا أكلوا الزقوم: اشربوا عليه الحميم، فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبا لهم.
{ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ} بعد شرب الحميم، {لإلَى الْجَحِيمِ} وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الحميم كما تورد الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم، دل عليه قوله تعالى: {يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن- 44] وقرأ ابن مسعود: {ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم}.
{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا} وجدوا، {آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ}. {فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} يسرعون، قال الكلبي: يعملون مثل أعمالهم.
{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ} من الأمم الخالية.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} الكافرين أي: كان عاقبتهم العذاب.
{إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} الموحدين نجوا من العذاب.
قوله عز وجل: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} دعا ربه على قومه فقال: {إني مغلوب فانتصر} [القمر- 10] {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} نحن، يعني: أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه.
{وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} الغم العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق.
{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} وأراد أن الناس كلهم من نسل نوح.
روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم قال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك.

.تفسير الآيات (78- 89):

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (82) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)}
{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ} أي: أبقينا له ثناءً حسنًا وذكرًا جميلا فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة.
{سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} أي: سلام عليه منا في العالمين وقيل: أي تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة.
{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} يعني الكفار.
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ} أي: أهل دينه وسنته. {لإبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} مخلص من الشرك والشك.
{إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ} استفهام توبيخ.
{أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} يعني: أتأفكون إفكًا وهو أسوأ الكذب وتعبدون آلهة سوى الله.
{فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}- إذ لقيتموه وقد عبدتم غيره- أنه يصنع بكم.
{فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم ويقربون لهم القرابين، ويصنعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم- زعموا- للتبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه، فقالوا لإبراهيم: ألا تخرج غدا معنا إلى عيدنا؟ فنظر إلى النجوم فقال: إني سقيم، قال ابن عباس: مطعون، وكانوا يفرون من الطاعون فرارًا عظيمًا. قال الحسن: مريض. وقال مقاتل: وجع. وقال الضحاك: سأسقم.